يشهد قطاع الشحن البحري العالمي تحولاً جذرياً في استراتيجيات إدارة الأساطيل، حيث تتجه كبرى شركات النقل إلى تعزيز ملكيتها للسفن بدلاً من الاعتماد على عقود التأجير طويلة الأجل، وفقاً لتحليلات متخصصة صادرة عن شركة Sea-Intelligence لأبحاث الشحن.
وقد أظهرت البيانات أن الشركات الكبرى في هذا القطاع كانت تعتمد في بداية جائحة كورونا على استئجار الجزء الأكبر من حمولتها، وهو ما أتاح لها مرونة كبيرة في توسيع أو تقليص أساطيلها وفقاً لتقلبات الطلب في السوق. لكن هذا الهيكل القائم على رأس مال منخفض تغير جذرياً، حيث باتت أكبر 12 شركة شحن بحري تمتلك غالبية السعة التي تديرها، بنسبة تصل إلى نحو 63% من إجمالي المساحات المتاحة.
وفي خطوة لافتة، تخلت شركة "وان هاي" تماماً عن نظام تأجير السفن، وأصبحت الآن تمتلك أسطولها بالكامل الذي يضم 124 سفينة. كما تعمل شركات "MSC" و"HMM" و"إيفرجرين" على استثمارات مكثفة في ملكية السفن، في إطار هذا التوجه الجديد.
ويُعزى هذا التحول في المتوسطات لصالح الملكية إلى التوسع الكبير الذي شهدته شركة "MSC" بعد الجائحة، حيث اكتسبت هذه الشركة سمعة قوية في شراء السفن المستعملة بأسعار مناسبة، مع طلبات متسارعة لبناء سفن جديدة. وتهيمن الشركة حالياً على القطاع من حيث سعة الحاويات، إذ تدير 7.3 مليون حاوية مكافئة قيد الخدمة، وتمتلك أكثر من 1000 سفينة.
كما قامت الشركة باستحواذات واسعة على عدد كبير من السفن، حتى أصبح أسطولها المملوك وحده أكبر من الأسطول المُجمّع (المملوك والمستأجر) لمنافستها الثانية، شركة "ميرسك لاين"، مع استمرار نمو هذا الأسطول بشكل مطرد. وفي يونيو الماضي، تلقت الشركة طلبات شراء لعشرين سفينة إضافية سعة كل منها 20,000 حاوية مكافئة من شركة "هينغلي للصناعات الثقيلة"، ليصل إجمالي طلباتها إلى حوالي 2.6 مليون حاوية مكافئة.
ومن بين الشركات الكبرى الأخرى التي تحولت إلى امتلاك السفن: "سي إم إيه سي جي إم"، و"بي آي إل"، و"إيفرغرين"، والتي تمتلك الآن غالبية أساطيلها. وتتمثل المزايا الرئيسية التي تحصل عليها شركات الشحن التي تمتلك نسبة عالية من حمولتها في إمكانية التنبؤ والتحكم، سواء على الصعيد التشغيلي أو المالي، وفقاً لتحليلات "سي إنتليجنس". فالسفن المملوكة لا تتأثر بتقلبات سوق التأجير، بما في ذلك الارتفاعات الحادة في الأسعار التي شهدتها الفترة الماضية.
كما لا يتعين على الشركات التي تمتلك سفناً أن تقلق بشأن المنافسة في نهاية عقد التأجير، ولا تضطر إلى ضمان الامتثال لمواصفات مالكي السفن فيما يتعلق بالصيانة أو منطقة الملاحة أو غيرها من العوامل التشغيلية. ويمنح هذا التوجه الشركات مرونة أكبر وثقة أعلى في تخطيط الخدمات، فضلاً عن قدرة أكبر على تحقيق أرباح قياسية عند ارتفاع أسعار الحاويات، فحتى في أوقات الازدهار، تظل السفينة المملوكة خياراً مجدياً مقارنة باستئجارها من جهة أخرى.
يمثل هذا التحول في استراتيجيات إدارة الأساطيل مؤشراً مهماً لقطاع التخليص الجمركي والاستيراد والتصدير في مصر، حيث يعكس حالة من الاستقرار المتزايد في سلسلة الإمداد العالمية، مما قد ينعكس إيجاباً على ثبات تكاليف الشحن وتوافر الحاويات في الموانئ المصرية خلال الفترة المقبلة.