شهدت السوق العالمية لبناء السفن تراجعاً ملحوظاً في وتيرة الطلبات الجديدة خلال شهر يوليو الماضي، حيث انخفضت بنسبة تجاوزت النصف مقارنة بالشهر السابق، وسط استمرار الهيمنة الصينية الواضحة على المشهد، بينما حافظت كوريا الجنوبية على تفوقها النوعي في قيمة الطلبيات الفردية.
وكشفت بيانات صادرة عن شركة كلاركسونز لأبحاث الشحن أن إجمالي الطلبات العالمية المسجلة في يوليو بلغ نحو 3.57 مليون طن إجمالي، موزعة على 137 سفينة. ويمثل هذا الرقم انخفاضاً حاداً بنسبة 56% مقارنة بـ 8.03 مليون طن تم تسجيلها في الشهر السابق (يونيو)، كما يقل بنسبة 22% عن مستويات الفترة ذاتها من العام الماضي.
وعلى صعيد التوزيع الجغرافي للطلبات، أظهرت البيانات استحواذ الصين على النصيب الأكبر من السوق، حيث تلقت طلبات لبناء سفن بقدرة إجمالية تبلغ 2.9 مليون طن (111 سفينة)، ما يعادل 81% من إجمالي الطلبات العالمية. في المقابل، حصلت كوريا الجنوبية على طلبات لـ 21 سفينة فقط بقدرة إجمالية تبلغ 570 ألف طن، مستحوذة على حصة سوقية لا تتجاوز 16%.
**تفوق كوري في القيمة رغم الفارق الكمي**
ورغم الفجوة الهائلة في حجم الطلبات لصالح الصين، إلا أن كوريا الجنوبية لا تزال تحتفظ بميزة استراتيجية تتمثل في التركيز على السفن ذات القيمة المضافة العالية. فقد بلغ متوسط حجم الطلبية الواحدة في أحواض بناء السفن الكورية الجنوبية حوالي 40 ألف طن إجمالي لكل وحدة، مقارنة بنحو 27 ألف طن إجمالي في الصين.
ويُعزى هذا الفارق النوعي إلى توجه أحواض كوريا الجنوبية نحو بناء السفن المتطورة والمكلفة، مثل ناقلات الغاز الطبيعي المسال والسفن الكبيرة المصممة وفق معايير صديقة للبيئة، وهو ما يمنحها قيمة اقتصادية أعلى لكل طلبية مقارنة بنظيرتها الصينية.
ويرى ممثلو الصناعة أن العوامل الموسمية لعبت دوراً في تباطؤ الطلبات خلال يوليو، خاصة مع بدء موسم العطلات الصيفية في نصف الكرة الشمالي، مما أدى إلى انخفاض أيام العمل الفعلية في أحواض بناء السفن حول العالم.
**أداء تراكمي قوي خلال 7 أشهر**
وعلى الرغم من التراجع الشهري، أظهر الأداء التراكمي للفترة من يناير إلى يوليو توسعاً ملحوظاً في السوق. فقد بلغ إجمالي الطلبات العالمية خلال هذه الفترة 50.93 مليون طن إجمالي، محققاً زيادة بنسبة 65% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعاً بالطلب المتزايد على سفن نقل الطاقة في ظل حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي التي تشهدها العديد من المناطق.
وخلال هذه الفترة، سجلت كوريا الجنوبية طلبات لبناء سفن بقدرة 8.70 مليون طن إجمالي، بزيادة قدرها 61% عن العام السابق. وفي المقابل، حققت الصين قفزة أكبر، حيث بلغت طلباتها 38.02 مليون طن إجمالي، بنمو قدره 107%، مستحوذة على حصة سوقية تبلغ 75%.
**سجلات الطلبات المستقبلية تكشف فجوة متسعة**
أظهرت سجلات الطلبات المتراكمة، التي تعكس حجم العمل المستقبلي لأحواض بناء السفن، تطوراً متبايناً بين البلدين. ففي نهاية يوليو، بلغ إجمالي الطلبات العالمية 211.75 مليون طن، بزيادة قدرها 2.32 مليون طن عن الشهر السابق.
وقد عززت الصين موقعها الريادي بزيادة حجم طلباتها المتراكمة بمقدار 3.61 مليون طن مقارنة بشهر يونيو، ليصل إجماليها إلى 140.22 مليون طن، ما يعادل 66% من الإجمالي العالمي. في المقابل، سجلت كوريا الجنوبية تراجعاً طفيفاً، حيث بلغت طلباتها المتراكمة 38.23 مليون طن (18% من الإجمالي)، أي أقل بـ 480 ألف طن عن الشهر السابق، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين البلدين في تأمين حجم العمل المستقبلي.
**مؤشرات الأسعار تواصل الصعود**
وبغض النظر عن تقلبات حجم الطلبات، أشار التقرير إلى أن معدلات بناء السفن حافظت على اتجاهها التصاعدي القوي في نهاية يوليو، حيث بلغ مؤشر أسعار بناء السفن الجديدة 185.49 نقطة، مرتفعاً بمقدار 0.34 نقطة عن إغلاق يونيو، وأعلى بنحو 29% من المستوى المسجل في يوليو 2021.
وبحسب نوع السفينة، تصدرت سفن الحاويات العملاقة للغاية قائمة الأعلى سعراً، حيث بلغ سعر الوحدة الواحدة 259.50 مليون دولار أمريكي، تلاها ناقلات الغاز الطبيعي المسال بسعر 248.50 مليون دولار أمريكي، ثم ناقلات النفط الخام العملاقة جداً بسعر 130.50 مليون دولار أمريكي، مما يؤكد قوة واستمرار الطلب على القطاعات الأعلى قيمة في السوق العالمية.
يُعد هذا التطور في سوق بناء السفن العالمية مؤشراً مهماً لقطاع التخليص الجمركي والخدمات اللوجستية في مصر، حيث يعكس حركة التجارة العالمية المتوقعة خلال السنوات المقبلة، ويستدعي متابعة دقيقة من المستوردين والمصدرين لمواكبة التغيرات في تكاليف الشحن وأسعار النقل البحري.