شهدت حركة التجارة البحرية في منطقة الخليج تحولاً جذرياً خلال النصف الأول من العام الجاري، بعد أن كشفت بيانات حديثة عن انهيار غير مسبوق في تصنيفات أحد أهم المراكز اللوجستية العالمية. فقد سجل ميناء جبل علي في دبي قفزة تراجع تاريخية من المركز العاشر إلى المركز الثاني والثلاثين عالمياً خلال ستة أشهر فقط، في انعكاس مباشر لتداعيات التوترات الإقليمية على حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وأظهر تحليل صادر عن منصة «ألفالاينر» المتخصصة في أبحاث الشحن انخفاضاً حاداً في حجم المناولة بمرفأ دبي الرئيسي، حيث تراجعت الأرقام بأكثر من 90% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من العام، لتصل إلى 374 ألف حاوية مكافئة فقط. وباحتساب هذا الانخفاض مع تراجع نسبته 23% في الربع الأول، لم يتجاوز إجمالي ما عالجه الميناء خلال النصف الأول 3.14 مليون حاوية مكافئة، وهو ما يقل عن نصف الكميات المسجلة في الفترة ذاتها من العام الماضي والتي بلغت 7.77 مليون حاوية.
ويعود هذا التراجع الكبير إلى الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز منذ مارس الماضي، مع إعادة فتحه جزئياً وبصورة غير مستقرة في يونيو، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد في المنطقة. ولم يقتصر التأثير على جبل علي فحسب، بل طال ميناء خليفة في أبوظبي الذي تراجعت شحناته بنسبة لا تقل عن 50%، وفق تقديرات «ألفالاينر»، مما أخرجه من قائمة أفضل 50 ميناءً عالمياً بعد أن كان يحتل المرتبة 32 في العام الماضي.
وفي استجابة سريعة للأزمة، عملت الإمارات على تطوير شبكة بديلة من الطرق اللوجستية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المتوترة. فقد تمكنت موانئ دبي العالمية من نقل 500 ألف حاوية نمطية عبر ممرات النقل البري والسكك الحديدية في دول مجلس التعاون الخليجي منذ مارس، مع دعم شبكتها لنحو 3000 حركة شاحنات يومياً. كما أنشأت خطوطاً جمركية تربط مينائي الفجيرة وخورفكان على خليج عُمان بجبل علي، وأضافت 700 شاحنة جديدة، مع تعزيز السعة التخزينية في الموانئ الداخلية.
وفي خطوة استراتيجية طويلة المدى، وقعت موانئ دبي العالمية اتفاقية تمتد 50 عاماً لتطوير محطتين على الساحل الشرقي للبلاد، حيث سيوفر ميناء الرجيلا في الفجيرة طاقة استيعابية سنوية تبلغ 2.5 مليون حاوية مكافئة، مما يتيح للسفن الوصول المباشر إلى بوابات الإمارات دون الحاجة لعبور مضيق هرمز. كما تعمل الدولة على تطوير خط أنابيب نفط ثانٍ إلى الفجيرة، وهو ما قد يضاعف طاقة تصدير الخام هناك إلى 3.6 مليون برميل يومياً، في إطار مسعى أوسع لدمج بدائل المضيق ضمن البنية التحتية الوطنية.
وفي سياق متصل، كشف تحليل «ألفالاينر» عن تحولات لافتة في المشهد العالمي لموانئ الحاويات، إذ سجل ميناء نينغبو-تشوشان الصيني مناولة بلغت 22.9 مليون حاوية مكافئة بزيادة 8.8%، متجاوزاً ميناء سنغافورة الذي حقق 22.7 مليون حاوية لأول مرة خلال فترة ستة أشهر. ورغم احتفاظ شنغهاي بالمركز الأول بفارق مريح، إلا أن نينغبو-تشوشان صعد إلى المركز الثاني، تاركاً سنغافورة في المرتبة الثالثة.
تمثل هذه التطورات إشارة واضحة إلى أن الجغرافيا اللوجستية في المنطقة تشهد إعادة هيكلة عميقة، مع تسارع الجهود لبناء بنى تحتية مرنة قادرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية، وهو ما سيكون له أثر بالغ على مستقبل حركة الاستيراد والتصدير في مصر والمنطقة العربية بأكملها، حيث تظل استقرارية الممرات الملاحية الخليجية عاملاً حاسماً في تحديد تكاليف الشحن وتدفق السلع عبر قناة السويس والبحر الأحمر.