تواجه الموانئ البحرية حول العالم موجة غير مسبوقة من الازدحام والاختناقات المرورية، مما يضيف ضغوطاً جديدة على سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ بعد من تبعات الجائحة، وذلك وفقاً لتحليلات متطابقة صادرة عن شركة "ميرسك" للشحن ومجموعة "دروري" لأبحاث الشحن.
في هذا السياق، كشفت "ميرسك" النقاب عن أن جذور الأزمة تعود إلى نقص مزمن في الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية للموانئ على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية، مؤكدةً على الحاجة الملحة لإنشاء طاقات تشغيلية جديدة في عدد من الموانئ الحيوية التي تدور حولها التجارة العالمية، بحسب تصريحات أدلى بها فينسنت كليرك، الرئيس التنفيذي للمجموعة.
من جانبها، قدمت "دروري" تحليلاً تشخيصياً معمقاً للمشكلة، كشفت من خلاله عن تدهور واضح في مؤشرين رئيسيين: الأول يتمثل في ارتفاع متوسط أوقات انتظار السفن عالمياً، والثاني في تراجع ملحوظ لموثوقية الجداول الزمنية لسفن الحاويات.
وأشار تقرير "دروري" إلى أن تداعيات هذا الازدحام تطال جميع خطوط وشركات الشحن دون استثناء، حيث أدت الأعاصير التي ضربت الصين في الأسبوع الثاني والثلاثين (أوائل أغسطس) إلى زيادة متوسط فترة انتظار السفن للحصول على رصيف بنحو 3.6 أيام إضافية.
لكن المشكلة تتجاوز كونها ظاهرة طقس مؤقتة؛ فقد تضاعف متوسط أوقات انتظار السفن عالمياً تقريباً عند المقارنة بين الأشهر السبعة الأولى من عام 2019 ونظيرتها من العام الجاري. كما ارتفع كل من زمن الانتظار وإجمالي مدة الرسو في الموانئ منذ 2019، مع ملاحظة أن جزءاً أكبر من وقت السفينة داخل الميناء يُستنزف في انتظار الرصيف بدلاً من إنجاز إجراءات التحميل والتفريغ، وهو ما يعكس ضغوطاً حقيقية قبل الوصول إلى الرصيف. وقد ساهم هذا الانتظار في زيادة متوسط الوقت الذي تقضيه سفن الحاويات في الموانئ بنسبة 31% بين عامي 2019 والعام الحالي، مع تفاوتات كبيرة بين المناطق المختلفة.
وأوضح التقرير أن إنتاجية سفن الحاويات في الموانئ خلال العام الجاري أقل مقارنة بفترة ما قبل جائحة كوفيد-19، كما أنها تقضي وقتاً أطول في طوابير الانتظار للرسو.
وفي تصريحاته، أرجع فينسنت كليرك أسباب الازدحام إلى عدم كفاية طاقة موانئ الحاويات في مناطق متعددة تشمل أوروبا والساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية وغرب أفريقيا والشرق الأوسط، وذلك في ظل النمو القوي لصادرات الحاويات من آسيا. وأضاف قائلاً: "يأتي هذا النمو وتزايد الاختلالات التجارية في أعقاب نحو 15 عاماً من الأزمة المالية، حيث تراجع الاستثمار في طاقة الموانئ".
في المقابل، ترى "دروري" أن ارتفاع مخاطر الازدحام يعود إلى اتجاهات وقيود متعددة في القطاع، بعضها خارج عن سيطرة مشغلي الموانئ. وتشير تقديراتها إلى أن المحطة التي تعمل بنسبة إشغال 90% لأرصفتها تحتاج أسبوعاً تقريباً للتعافي من أي انقطاع ليوم واحد، في حين يمكن لمحطة تعمل بنسبة إشغال 75% التعافي خلال يومين فقط. ويرى التقرير أن الفارق بين هاتين النقطتين التشغيليتين قد يكون، في السنوات العادية، هو الفارق بين عائد تنافسي وآخر غير تنافسي على رأس المال.
كما تلاحظ "دروري" أن شركات النقل البحري تتبع الأهداف ذاتها التي يسعى إليها مشغلو المحطات، بالتركيز على التكاليف والعوائد بدلاً من مرونة سلسلة التوريد. وقد تؤدي استراتيجيات شركات الشحن الرامية لتعظيم العائدات، مثل إلغاء بعض الرحلات أو تسيير رحلات طارئة أو استخدام عمال تحميل إضافيين، إلى رفع معدلات الازدحام في الموانئ الرئيسية، مما يسهم بشكل كبير في ازدحام ساحات الشحن أو زيادة أوقات الانتظار.
ويكشف تحليل "دروري" لسعة الموانئ ومعدلات مناولة البضائع، استناداً إلى قواعد بياناتها العالمية، أنه بناءً على 9 موانئ حاويات رئيسية، زاد مشغلو المحطات سعتهم بنسبة 21% في المتوسط بين عامي 2019 و2026، وهي نسبة تقل عن نمو الأحجام الذي بلغ 28% خلال الفترة نفسها.
ويوضح التقرير أن ميناء سنغافورة نجح في زيادة سعته بوتيرة أسرع قليلاً من نمو حجم البضائع، بينما لم تحذُ حذوه موانئ شنغهاي وسانتوس وجواهر لال نهرو وتشينغداو. ويعود ازدحام ميناء سانتوس البرازيلي إلى تأخيرات في امتياز "STS10" الخاص بالشركة، وقيود النقل البري، والنمو القوي جداً في الطلب. وفي الصين وأوروبا، زادت شركات تشغيل المحطات، التي يسيطر عليها القطاع الخاص غالباً، من استغلال طاقتها الاستيعابية ولكن بوتيرة أبطأ من زيادة حجم الشحنات.
أما في ميناء روتردام، فبقيت الطاقة الاستيعابية ثابتة مع إغلاق إحدى محطات الحاويات الصغيرة عام 2020، في خطوة تعكس سلوكاً استثمارياً طبيعياً للقطاع الخاص وسط انخفاض حجم الشحنات واشتداد المنافسة من المحطات الأكبر.
وفي ختام تحليلها، لا ترى "دروري" اتجاهاً عالمياً واحداً نحو "نقص الاستثمار" في الطاقة الاستيعابية للموانئ، بل ترى اتجاهاً أقوى وأكثر تعقيداً يتطلب نظرة شمولية لمعالجته.
تكتسب هذه المعطيات أهمية قصوى لقطاع التخليص الجمركي والاستيراد والتصدير في مصر، حيث ينعكس أي اضطراب في الموانئ العالمية مباشرة على مواعيد وصول الشحنات وتكاليف النقل، مما يستلزم من المتعاملين في السوق المحلي متابعة دقيقة لتطورات حركة التجارة العالمية لتحسين إدارة سلاسل التوريد وتفادي أي تأخيرات محتملة.