العودة لقسم الأخبار

سوريا تدير رصيف طرطوس الرئيسي وتستقبل أولى الشحنات التجارية بعد تسلمه من القوات الروسية

سوريا تدير رصيف طرطوس الرئيسي وتستقبل أولى الشحنات التجارية بعد تسلمه من القوات الروسية

دخلت السلطات السورية رسمياً على خط إدارة أحد الأرصفة الرئيسية في ميناء طرطوس بعد تسلمه من القوات الروسية، في خطوة تمثل تحولاً ملموساً في إدارة المنشآت الساحلية الاستراتيجية، وتأتي في إطار إعادة ترتيب الوجود العسكري الروسي في البلاد.

وقد شهد الرصيف وصول أولى الشحنات التي ضمت القمح ومواد لصناعة الأسمنت، وذلك بعد مرور يوم واحد فقط على بدء التشغيل الرسمي، مما يؤكد دخول الاتفاق المبرم بين دمشق وموسكو حيز التنفيذ العملي.

وأوضح يوسف عرنوس، رئيس قسم العمليات والاستثمار في ميناء طرطوس، أن السلطات السورية بدأت تشغيل الرصيف رقم 4 بعد استلامه من إدارة العمليات، مشيراً إلى أن العمل انطلق باستقبال سفينتين تباعاً. وأضاف أن الرصيف يتمتع بقدرة استيعابية تصل إلى ثلاث سفن في وقت واحد، مع وجود ساحات تخزين مواجهة للرصيف تسهم في تقليص فترات انتظار السفن في مناطق الرسو.

وبحسب بيانات بورصة لندن للأوراق المالية، فإن السفينتين وصلتا من موانئ تركية، دون أن تتضح على الفور نقطة انطلاقهما الأصلية.

ويأتي هذا التطور بعد إعلان دمشق وموسكو التوصل إلى اتفاق حول مستقبل القواعد والمنشآت الروسية في سوريا، بما يشمل ميناء طرطوس وقاعدة حميميم الجوية. ونص الاتفاق، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية السورية، على تولي سوريا إدارة المنشآت المدنية ومن بينها مطار حميميم والرصيف التجاري في ميناء طرطوس، في حين يتم تحويل المنشآت العسكرية إلى مرافق للتدريب المشترك.

يمثل هذا الاتفاق تحولاً جوهرياً في طبيعة إدارة أحد أهم المواقع الاستراتيجية الروسية في شرق المتوسط، حيث ظل طرطوس لسنوات مركزاً لوجستياً رئيسياً للبحرية الروسية. ومع ذلك، لا يعني انتقال إدارة المنشآت المدنية انتهاء الوجود العسكري الروسي في سوريا بشكل كامل، إذ أفاد مصدر سوري مطلع بأن جزءاً من القوات الروسية سيبقى في البلاد بموجب الاتفاق، دون توفر معلومات دقيقة حول حجم القوات المتبقية في طرطوس أو قاعدة حميميم.

وشاهد مراسلون في الميناء قوات روسية تنقل معداتها من مبنى قريب من الرصيف الذي تم تسليمه، وتنقل بعض المواد إلى منشأة عسكرية أخرى في المنطقة، مما يشير إلى أن إعادة توزيع الوجود الروسي تتم بشكل تدريجي وليس عبر انسحاب كامل.

ويحظى ميناء طرطوس بأهمية استراتيجية كبيرة لموسكو، كونه مركز الإصلاح والإمداد البحري الروسي الوحيد في البحر المتوسط، كما استُخدمت الأراضي السورية كنقطة انطلاق لنقل أفراد ومتعاقدين عسكريين إلى مناطق مختلفة في أفريقيا. ومن خلال وجودها في طرطوس وحميميم، تمكنت روسيا من تعزيز قدرتها على إسقاط النفوذ العسكري واللوجستي في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

وتكتسب إعادة تنظيم الوجود الروسي أهمية متزايدة منذ مغادرة بشار الأسد سوريا في عام 2024، وهو التطور الذي ألقى بظلاله من عدم اليقين على مستقبل القواعد الروسية، ودفع الطرفين إلى مفاوضات استمرت نحو 18 شهراً. وكانت تقارير قد أشارت في يوليو الماضي إلى أن أجزاء من الرصيف الرابع في طرطوس، الذي كانت تستخدمه القوات الروسية، يجري إعدادها للتحول إلى مركز تجاري ولوجستي.

ويعكس وصول أولى الشحنات إلى الرصيف الجديد انتقال الموقع من الاستخدام العسكري إلى النشاط التجاري بصورة تدريجية، بما قد يفتح المجال أمام زيادة حركة التجارة وإعادة تنشيط الدور الاقتصادي للميناء. وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة تشغيل البنية التحتية الحيوية وتعزيز قدرتها على إدارة الموانئ والمنشآت الاستراتيجية، مع الحفاظ على ترتيبات التعاون مع موسكو في المجال العسكري.

وتحمل هذه التطورات أبعاداً جيوسياسية واضحة، حيث تجمع الصيغة الجديدة للعلاقة بين دمشق وموسكو بين استمرار التعاون الأمني والعسكري، ومنح سوريا مساحة أكبر لإدارة المنشآت المدنية والاقتصادية. ويعد استقبال أول شحنات القمح ومواد الأسمنت في الرصيف الذي كان خاضعاً للاستخدام الروسي علامة مبكرة على إعادة توزيع الأدوار، وتحولاً تدريجياً في وظيفة أحد أهم مواقع النفوذ الروسي في سوريا من مركز عسكري ولوجستي إلى منشأة ذات استخدام تجاري واقتصادي أوسع.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لقطاع التخليص الجمركي والاستيراد والتصدير في مصر والمنطقة، إذ تعكس تحولات البنية التحتية اللوجستية في الموانئ السورية، وما قد تتيحه من فرص جديدة لحركة التجارة الإقليمية، خاصة مع عودة الميناء للعمل بطاقته التجارية الكاملة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على سلاسل الإمداد والتبادل التجاري في شرق المتوسط.